محمد حسين هيكل

278

حياة محمد ( ص )

قديم . فلما أصبح غدا إلى المسجد واستأمن النبيّ وأنشده قصيدة : بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيّم إثرها لم يفد مكبول فعفا النبي عنه وحسن من بعد ذلك إسلامه . وفود القبائل على النبي وكان من هذا الأثر كذلك أن بدأت القبائل تقبل على النبي تقدّم الطاعة بين يديه : قدم وفد من طيئ وعلى رأسهم سيدهم زيد الخيل ، فلما انتهوا إليه أحسن استقبالهم ، وتحدّث إليه زيد ؛ فقال النبي له : ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كلّ ما فيه . ودعاه « زيد الخير » بديلا من « زيد الخيل » . وأسلمت طيّئ وزيد على رأسها . وكان عديّ بن حاتم الطائي نصرانيّا ، وكان من أشد العرب كراهية لمحمد . فلما رأى أمره وأمر المسلمين في شبه الجزيرة ، تحمّل في إبله بأهله وولده ولحق بأهل دينه من النصارى بالشام ، وإنما فرّ عدي حين أوفد النبيّ عليّ بن أبي طالب ليهدم صنم طيئ ، وهدم عليّ الصنم واحتمل الغنائم والأسرى ومن بينهم ابنة حاتم أخت عدي التي حبست في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس فيها . ومرّ بها النبي فقامت إليه وقالت : يا رسول اللّه هلك الوالد وغاب الرافد ، فامنن عليّ منّ اللّه عليك . وأعرض عنها النبيّ . حين علم أن رافدها عديّ بن حاتم الفارّ من اللّه ورسوله . لكنها راجعته ، وذكر هو ما كان لأبيها في الجاهليّة من كرم أعلى به ذكر العرب ، فأمر بتسريحها وكساها كسوة حسنة وأعطاها نفقتها وحملها مع أوّل ركب قاصد إلى الشام . فلمّا لقيت أخاها وذكرت له ما أكرمها به محمد عاد إليه فألقى بنفسه إلى صفوف المسلمين . وكذلك جعل السادة وجعلت القبائل تفد إلى محمد ، بعد فتح مكة وبعد انتصار حنين وحصار الطائف ، تدين له بالرسالة وبالإسلام ، وهو في مقامه ذاك بالمدينة مطمئن إلى نصر اللّه وإلى شيء من سكينة الحياة . موت زينب بنت النبي لكنّ سكينة حياته لم تكن يومئذ صفوا ؛ فقد كانت زينب ابنته إذ ذاك مريضة مرضا خشي منه عليها . وهي منذ آذاها الحويرث وهبّار حين خروجها من مكة أذى أفزعها فأجهضها ، قد ظلّت مهدّمة العافية ، وانتهى المرض بوفاتها . وبموتها لم يبق لمحمد من عقبه إلا فاطمة ، بعد أن ماتت أمّ كلثوم كما ماتت رقيّة قبل زينب ، وحزن محمد لفقدها وذكر لها رقة شمائلها وجميل وفائها لزوجها أبي العاصي بن الربيع حين بعثت تفتديه من أبيها وقد أسره ببدر ، وتفتديه مع ما كان من إسلامها وشركه ، ومع ما كان من محاربته أباها حربا لو انتصرت قريش فيها لما أبقت لمحمد على حياة . ذكر محمد رقة شمائلها وجميل وفائها ، وذكر ما لاقت من ألم المرض طوال أيامها منذ عادت من مكة إلى حين وفاتها . وكان محمد يشارك كل ذي ألم في ألمه ، وكلّ ذي مصاب في مصابه ، وكان يذهب إلى أطراف المدينة وإلى ضواحيها يعود المريض ، ويواسي البائس ، ويأسو جراح الكليم . فإذا أصابه المقدار في ابنته بعد ما أصابه من قبل في أختيها وكما أصابه قبل رسالته في أخويها ، فلا جرم أن يحزن ويشتدّ به جوى الحزن ، وإن وجد من برّ اللّه ورفقه به ما يعزّيه كيما يسلو . مولد إبراهيم ولم يطل انتظاره التأساء ؛ فقد رزقه اللّه من مارية القبطية غلاما دعاه إبراهيم تيمّنا باسم إبراهيم جدّ الأنبياء الحنيف المسلم . وكانت ماريّة إلى يومئذ ومنذ أهداها المقوقس إلى النبيّ في مرتبة السراري ؛ فلم يكن